السيد محمد تقي المدرسي

449

من هدى القرآن

وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ وكمثال على ذهاب الله بالأمطار ، ما يقوله الخبراء عن الصحراء الكبرى في أفريقيا ، من أنها كانت في يوم ما مزروعة ومعمورة ، بسبب هطول الأمطار عليها ، أما الآن فنادراً ما تتلبد سماؤها بالغيوم ، ويداعب المطر حبات الرمال فيها . [ 19 ] بعد أن ذكر الله بأن المطر تحت إرادته ، ينزله ، ويذهب به متى يشاء ، عاد السياق يوضح بعض منافع الماء والتي من أهمها وأكبرها أثره في الزراعة ، وذلك حتى لا يصاب الإنسان بالغرور فيتكبر عن الحمد حين يرى الخيرات . فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ فبالإضافة إلى الأكل الذي يحصل عليه الإنسان من الجنات والبساتين ، هناك نعم أخرى في الأشجار ، أوليست الغابات والمزارع تستمطر السماء ، وتزيد من قدرة الأرض على تخزين المياه بسبب تكون الأحواض تحتها ، وتوفر لحوم الطيور وغذاء الأنعام ، وتمنع زحف الصحراء برمالها الخطيرة على المدن ، كما تحجز الرياح السامة ، وتلطف الهواء في الصيف والشتاء وهي - بالإضافة إلى كل ذلك - تعتبر المواد الأولية للصناعات المختلفة . وكان الإنسان يعتمد عليها في بناء المساكن ، وتهيئة الملابس ، وتعبيد الطرق ، وبناء الجسور ، وما أشبه ؟ ! وبعد كل ذلك تزرع المساحات الخضراء البهجة في أفئدة الصغار والكبار . هذا خلق الله ، فكيف ترانا نشكره ؟ ! . [ 20 ] وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ الشجرة هي الزيتون ، والطور الجبل الصغير ، وسيناء اسم للجبل الذي فيه حقل الزيتون ، وكل مكان تزرع فيه أشجار الزيتون يسمى في اللغة العربية سَيْنَاءَ ، وهي شجرة نافعة ، من فوائدها : أنها تعطي الدهن ، وتشكل غذاءً جيداً وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ . وفي هذه الآيات يذكر الله بثلاث ثمار هي ( التمر ، والعنب ، والزيتون ) وهي في الواقع أنفع الثمار للإنسان وفيها حاجاته المختلفة . [ 21 ] وكما الفواكه نجد أن الحيوانات أيضاً خلقت بشكل يمكننا الاستفادة منها ، وتسخيرها . وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً والعبرة كلمة مأخوذة من العبور ، ويعني أن لا نقف على حدود الأشياء ، بل نتحول منها إلى دلالاتها ، فإذا رأينا الإبل يتحمل العطش والجوع مدة طويلة ، يساعده ذلك على حملنا في المفاوز المترامية الأطراف ، وأن له من المنافع الشيء الكثير ،